هيثم اللحياني
05-06-2010, 11:55 AM
صدفة جتني طالعتني من بعيد اليا بعيد =من كثر ماهي تطالع كنت اطالعها و اصد
ما وعيت الا برهبة كن نبضاتي تزيد=كنت اطالعها و خايف كنت اقرب و ابتعد
قمت افكر و آتذكر قمت اردد قمت اعيد=زاد خوفي و ارتباكي خوفي لا يدري أحد
إلا هي قامت تنادي .. إنت فيصل : قلت اكيد=و انتي منهو ؟! جاوبت .. من دار ابو فيصل فهد
عانقتني و احضنتني و امسكت إيدٍ بإيد=ما عرفتك علميني .. ردت و قالت : بعد!!!!
طالع بعيني وشوف في عيوني شي فريد=وين حبك وين وعدك إن حبي للأبد
يا خسارة إيش صاير ليه كذا صاير بليد=وين يا حبي السوالف و المحبة و العهد
لحظة لحظة اسمعيني مو أخوك اسمه وليد=لا يا حظي لا ياقلبي آنا اخوي اسمه سعد
قمت اخربط في كلامي .. صار في قلبي وقيد=قمت اعدد .. انتي سارة .. و الا نورة .. أو شهد
يا خسارة كنت اظن اسمي مدون بالوريد =ما حسبت احساس قلبك يسكنه هذا العدد
ليه تخدعني بحبك و انت لي كنت الوحيد=كنت اسافر في عيونك ما يرافقني أحد
كان يعجبني عنادك و كنت اسميك العنيد=كنت احب اروع صفاتك يوم تعلنها أبد
كنت تاخذ من فؤادي و كنت اجيلك بالمزيد=كنت تسبقني لقلبي يوم تصرخ يا (( وعد ))
كنت اصارع فيك حبي و انت حبك ما يحيد =كنت اشوف الكون كله في عيونك لي بلد
كنت تاخذ من شعوري كل ما تبغا و تريد=كنت مدري تحتويني .. كنت اظنك لي سند
كنت غير الناس عندي كنت لي شيخٍ و سيد=اذكر اني كنت اسولف في غيابك حق سعد
و اشتكي من طول بعدك و انت فيني مو بعيد=ليتني ما قلت احبك و ليت قلبي ما انولد
يا كثر ما كنت احبك شوفتك لي يوم عيد=يا كثر ما صرت أكره نبض قلبي للأبد
اسمعيني لو سمحتي و اسمعي الراي السديد=من ثمان سنين كنتي في حياتي يا وعد
أذكر اني كنت احبك و اذكر اني كنت اشيد=في محبة مذكر اني عاشها غيري أحد
ما اختلفنا بس عودي لازمن أمس البعيد=فيه كان الناس تخشى في العشق جزرٍ و مد
كنت اشوفك في خيالي في حروفي و القصيد=رغم بعدك عن عيوني بيننا حاجز و سد
رغم بعدك و ابتعادك كنت احس اني سعيد=كنت اراضي فيك قلبي كنت اخف عنه و اشد
كن حبي و المشاعر و الأماني كالعبيد=ترتمي باحضان قلبي لين ما ذاب الوعد
يا وعد الوقت عدى و صرت انا و انتي نعيد =عهد مدري كيف عدى المهم نفس العهد
تذكري وش كنت اسوي لا انتهى عندي الرصيد=كنت اشوف الليل سمسم – مظلم و ارجع لعينك و ارد
أرتمي باحضان همسك و ابتدي لك من جديد=من كثر ما كنت اسولف كنت احس اني أسد
يا وعد شكلك تغير بعد هالعمر المديد=تدري اني من تركتك صار لي بنت و ولد
الحب القديم من الخائن !!؟؟
قراءة في قصيدة الشاعر فيصل المريسي (( الحب القديم ))
حين تتساقط الأقنعة و تزيح السنين عن وجه الحقيقة الكالح الستار تنهار كل الأحلام على عتبات الإنكار و الخيانة و تتراصف الأوجاع عند أول لقاء مع الحلم على أرض الواقع , هكذا هي قصة الحب القديم كما تلاها الشاعر لنا بغض النظر عن واقعية القصة من عدمها إلا أنها ترسم لنا صورة أنصف فيها الشاعر قلبا من قلب , و ربما لم يدرك أن محاولاته المناورة و الاستدارة حول الحقيقة باءت بالفشل في اعترافات ضمنية أحيانا و صريحة في أحايين كثيرة بلا أدنى إدراك أو وعي منه و ربما كانت محاولة لإعلان توبة جاءت في غير مكانها و لا زمانها فالذنب أعظم من أن يغفره أي قلب , لتبدأ الحكاية و تعود الذكريات بصدفة كما يقول الشاعر و أقول إنه القدر المحتوم :
صدفة جتني طالعتني من بعيد اليا بعيد
من كثر ماهي تطالع كنت اطالعها و اصد
من أول حروف الحكاية تظهر شجاعة العاشقة و ثقتها من عينيها حين رأت حبيبها و تعرفت عليه منذ الوهلة الأولى و يقابلها على الطرف الآخر نظرات الجحود و الإنكار من قبل الحبيب لدرجة أن نظراته كان مترددة و تحاول الهروب في خطوة جبانة من قبل العاشق و يظهر ذلك في كلمة (( أصد )) حيث تشير إلى الهروب :
ما وعيت الا برهبة كن نبضاتي تزيد
كنت اطالعها و خايف كنت اقرب و ابتعد
((ما وعيت الا برهبة )) ينمو شعور الرهبة داخل الشاعر من هذه النقطة و يتزايد الخوف من نظرات تلك العاشقة و كما سيتضح لاحقا أنها نظرات ولهى فرحت برؤية حبيبها و ليست نظرات تهدده بأي شكل من الأشكال إلا أن تلك الرهبة و ذلك الخوف نبعا من شعور عميق بالذنب فهو يعرف أنه زير نساء و على يقين أنه عبث بمئات القلوب ما زاد الرهبة في فؤاده (( كنت اطالعها و خايف )) و تتسارع نبضاته (( نبضاتي تزيد )) و مع ذلك فهو على استعداد لمغامرة جديدة و عبث جديد و كان يريد الاقتراب من تلك الأنثى و لكن إحساسا ما يدفعه للابتعاد عنها (( كنت اقرب و ابتعد )) :
قمت افكر و آتذكر قمت اردد قمت اعيد
زاد خوفي و ارتباكي خوفي لا يدري أحد
بدأت مراجعة الذات و تقليب الأوراق و فتح باب الذكريات بلا فائدة ترجى (( قمت افكر و آتذكر قمت اردد قمت اعيد )) فلا هو تذكر اسمها و لا رسمها ما زاد من حالة خوفه و ارتباكه (( زاد خوفي و ارتباكي )) ليظهر خوف من نوع قديم متجدد (( خوفي لا يدري أحد )) هو معرفة الناس بقصته معها مع أنه هو الرجل الذي يفترض به أن يكون شجاعا و مع ذلك يؤكد لنا هنا شجاعة تلك الأنثى العاشقة التي لا تأبه لنظرات الناس و لا تحسب لوجودهم حسابا لأنها تعشق بصدق و وفاء :
إلا هي قامت تنادي .. إنت فيصل : قلت اكيد
و انتي منهو ؟! جاوبت .. من دار ابو فيصل فهد
لم تكتفِ العاشقة برؤية معشوقها (( إلا هي قامت تنادي )) حالما أكد قلبها ما رأت عينيها بادرت إلى مناداته باسمه الذي لم يفارق وريدها (( انت فيصل )) و لم ينكر هو من جهته اسمه بل أكد لها بقوله (( قلت أكيد )) إذ لا مجال للكذب مع الخوف و الرهبة و الارتباك , ثم يسألها (( و انتي منهو )) فأجابته أنها من (( دار ابو فيصل فهد )) و هي السعودية و من يدقق هنا يكتشف بعدا آخر للحكاية فلم تكن تلك العاشقة من نفس بلد الشاعر و هي (( البحرين )) لتبدأ صورة الحب العظيم في التجلي شيئا فشيئا لو زدنا إلى بعد المسافة بينهما بعد السنين , و مع ذلك فلم تنكر عليه هذا السؤال لأنها لم تعتقد أنه جاد في سؤاله إلا لاحقا :
عانقتني و احضنتني و امسكت إيدٍ بإيد
ما عرفتك علميني .. ردت و قالت : بعد!!!!
تقبل العاشقة على حبيبها بعدما تأكدت أنه هو بالعناق و الأحضان كما يفعل الأحبة في بحثهم عن الدفء مع بعضهم (( عانقتني و احضنتني )) في تأكيد آخر على شجاعة العاشقة التي لا تخاف من نظرات البشر و لا ما سيقولون عنها بعد رؤيتهم لها تضمه و تضم يده في يدها (( و امسكت إيدٍ بإيد )) لكن الفرحة لم تدم طويلا بعدما نزل عليها السؤال بكل جدية كالصاعقة (( انتي منهو !!؟؟ )) فما كان منها من هول الصدمة إلا أن ترد بعفوية (( بعد )) و هي صيغة استنكارية عامية تشير إلى عظم الدهشة و حجم الصدمة من السؤال إذْ لم يكن في الحسبان و لا على البال :
طالع بعيني وشوف في عيوني شي فريد
وين حبك وين وعدك إن حبي للأبد
((طالع بعيني وشوف )) تبدأ نداءات يائسة لقلبه عبر عينيه و تطلب منه النظر في عينيها لعل فؤاده يقرأه و يتذكر ((في عيوني شي فريد )) ذلك الشيء الفريد الذي أرادته أن يراه و يتذكره شيء ثمين فعلا هو الحب , و لكن بلا جدوى فحبيبها بألف قلب ليبدأ العتاب المؤلم بالسؤال عن الحب القديم (( وين حبك )) و الوعود التي وعدها إياها (( و ين وعدك )) بأن ذلك الحب سوف يستمر للأبد و انه لن ينساها (( إن حبي للأبد )) :
يا خسارة إيش صاير ليه كذا صاير بليد
وين يا حبي السوالف و المحبة و العهد
(( يا خسارة إيش صاير ليه كذا صاير بليد )) و يتفجر طوفان الألم في روحها و يتفطر فؤادها لتكتشف خسارتها بعشق من لم يكن لها أية مشاعر (( يا خسارة إيش صاير )) و تستنكر بلادة مشاعره (( ليه كذا صاير بليد )) , لتبدأ رحلة مناورات الحبيب و محاولة تدارك الموقف فيتأزم أكثر عندما يبدأ في الكشف عن صورته الحقيقية و ليته لم يفعل :
لحظة لحظة اسمعيني مو أخوك اسمه وليد
لا يا حظي لا ياقلبي آنا اخوي اسمه سعد
(( لحظة لحظة )) يتوسل الشاعر لتلك الأنثى العاشقة بلحظة و يكرر الطلب مرتين لعل الذاكرة تسعفه و يحاول الجري في متاهة ذاكرة الخيانات و تبدأ المناورة فهو لم يتذكر اسمها بعد و لكنه تذكر اسم أحد إخوة اللاتي عبث معهن (( مو أخوك اسمه وليد )) ليبدأ القناع في التمزق و سقوط وجه الكذب أمام الحقيقة فتتهكم به إذْ لم يعد هناك مجال للعتاب فلا حب هناك و لا وفاء (( لا يا حظي .. لا يا قلبي .. آنا اخوي اسمه سعد )) لم يكن اسم أخيها وليد بل (( سعد )) فماذا عساه أن يفعل بعد لينقذ ما تبقى من ماء وجهه أمامها سوى باعترافات صريحة أتت رغما عنه بعدما أصبح شبه سكران مترنح لا يعي ما يقول أمام تلك العاشقة الوفية :
قمت اخربط في كلامي .. صار في قلبي وقيد
قمت اعدد .. انتي سارة .. و الا نورة .. أو شهد
يا خسارة كنت اظن اسمي مدون بالوريد
ما حسبت احساس قلبك يسكنه هذا العدد
ليه تخدعني بحبك و انت لي كنت الوحيد
كنت اسافر في عيونك ما يرافقني أحد
كان يعجبني عنادك و كنت اسميك العنيد
كنت احب اروع صفاتك يوم تعلنها أبد
كنت تاخذ من فؤادي و كنت اجيلك بالمزيد
كنت تسبقني لقلبي يوم تصرخ يا (( وعد ))
((قمت اخربط في كلامي .. صار في قلبي وقيد )) يبدأ الحب العظيم في التمزق و تخبو ناره شيئا فشيئا ليتحول إلى رماد تذروه الرياح بعدما اعترافه بعشقه الكاذب لها كما كان مع (( سارة و نورة و شهد )) و غيرهن الكثير و يعظم حجم الخسارة مرة أخرى و صوت الألم (( يا خسارة )) فقد كانت تظنه وفيا مثلها (( كنت اظن اسمي مدون بالوريد )) و قلبه لا يسكنه سواها إلا أنها كانت مخطئة فلم يكن قلبه كقلبها يحب بصدق (( ما حسبت حساب قلبك يسكنه هذا العدد )) و تعود للسؤال عن أسباب الخيانة لا لتبحث عن إجابة فقد باتت تعرفها و لكنه سؤال دهشة و صدمة (( ليه تخدعني بحبك )) فهي لم تخنه مع غيره (( و انت لي كنت الوحيد )) كان لها درب و سفر لا يشاركها أحد فيه ((كنت اسافر في عيونك ما يرافقني أحد )) و تسرد الذكريات الحلوة المرة في آن معاً (( كان يعجبني عنادك و كنت اسميك العنيد )) لقد عشقته بكل صفاته الجميلة و البغيضة حتى لو أعلن أن هذه الصفات ستستمر معه للأبد ((كنت احب اروع صفاتك يوم تعلنها أبد )) فهي لم تره إلا زهرة نبتت في روحها و نثرت عطرها في أرجاء الشرايين و الأوردة و كم كان حجم العطاء من قلبها و لم يكن للبخل فيه مكانا فعلى قدر الأخذ جاء العطاء أكثر (( كنت تاخذ من فؤادي و كنت اجيلك بالمزيد )) أي جنون هذا (( كنت تسبقني لقلبي )) يا إلهي أي عشقٍ هذا .. قلبها و هو قلبها الذي تملكه و يسكن خلف ضلوعها كان يسبقها إليه متى !! عندما كان يناديها (( يا وعد )) ذلك هو اسم العاشقة الذي لم يتذكر و لو حرفا منه :
كنت اصارع فيك حبي و انت حبك ما يحيد
كنت اشوف الكون كله في عيونك لي بلد
كنت تاخذ من شعوري كل ما تبغا و تريد
كنت مدري تحتويني .. كنت اظنك لي سند
كنت غير الناس عندي كنت لي شيخٍ و سيد
اذكر اني كنت اسولف في غيابك حق سعد
و اشتكي من طول بعدك و انت فيني مو بعيد
ليتني ما قلت احبك و ليت قلبي ما انولد
يا كثر ما كنت احبك شوفتك لي يوم عيد
يا كثر ما صرت أكره نبض قلبي للأبد
من يقرأ هذه الأبيات الخمس يلحظ تكرار صيغة الماضي (( كنت )) ثمانية مرات و ذلك لسبب وجيه هو صوت الحسرة على الماضي و تصديق الكذبة و الصراع مع الذات في هذا الحب (( كنت اصارع فيك حبي )) ظنا منها بأنه لن يتنازل عن هذا الحب (( و انت حبك ما يحيد )) و كان عشقه يغنيها عن الكون و الأوطان (( كنت اشوف الكون كله في عيونك لي بلد )) كان يأخذ و لا يعطي (( كنت تاخذ من شعوري )) و ليس ذلك فقط بل كما يشتهي (( كل ما تبغا و تريد )) , و يظهر صيغة التشكيك لا للتشكيك بل للتأكيد على الندم (( كنت مدري تحتويني )) هل كان فعلا يحتويها (( كنت اظنك لي سند )) صوت آهٍ يتجلى في تخليه عن حبها فلم يكن سندا و عونا لها كما ظنت (( كنت غير الناس عندي )) (( كنت لي شيخٍ و سيد )) صورٌ تعلن عن انهيارٍ حلمٍ لم يكن إلا وهما و يرتفع صوت الندم (( ليتني ما قلت احبك )) تمنت ألأ تقع في غرامه أو بالأصح شراكه (( ليت قلبي ما انولد )) صورة تعطي انطباعا قويا عن ألم تلك العاشقة فمن ذا يتمنى ألا يولد قلبه (( يا كثر ما كنت احبك )) و ينتهي الحب (( و شوفتك لي يوم عيد )) و تنتهي الأعياد بصرخة كره أبدي للذات لا كرهه هو في تأكيد على نقاء سريرتها (( يا كثر ما صرت أكره نبض قلبي للأبد )) :
اسمعيني لو سمحتي و اسمعي الراي السديد
من ثمان سنين كنتي في حياتي يا وعد
أذكر اني كنت احبك و اذكر اني كنت اشيد
في محبة مذكر اني عاشها غيري أحد
ما اختلفنا بس عودي لازمن أمس البعيد
فيه كان الناس تخشى في العشق جزرٍ و مد
محاولة جديدة للمناورة من الشاعر بنداء يشوبه الخداع (( اسمعيني لو سمحتي )) و يظن أنه رأي سديد و هو الغي بعينه (( و اسمعي الراي السديد )) , و القارئ الذكي سوف يوقن بخداعه و زيف مشاعره إذ قال (( من ثمان سنين كنتي في حياتي )) أليست هي نفس السنين و نفس المسافة التي كانت بينه و بينها و لم يمنعها من الاستمرار بحبه و الاحتفاظ به طوال هذه المدة , و يكشف عن زيفه مرة جديدة (( أذكر اني كنت احبك )) أيّ حبٍّ هذا الذي يقبل التذكر و النسيان و هل الحب الصادق يتطلب قرب الحبيب فإن ابتعد نسيناه و هذا ما يؤكد زيف حبه لها و بكل جرأة يحاول مواساة قلبها بكذبة أخرى ((في محبة مذكر اني عاشها غيري أحد )) يا لهذه الجرأة و الثقة و يستمر ((ما اختلفنا )) و هل العشق اتفاقية لنختلف عليها أم أنه ثابت لا يقبل القسمة ((عودي لازمن أمس البعيد )) عذرٌ أقبح من ذنبٍ بمطالبةٍ للعودة للماضي البعيد بحجة أن الناس تخاف في العشق ((فيه كان الناس تخشى في العشق جزرٍ و مد )) و مازال الناس يخافون الجزر و المد في العشق إلى اليوم و الغد و لم و لن يختلف أي شيء من ذلك و لكنهم يبقون على عهد الحب و الوفاء مهما مرت السنون فأي عذرٍ هذا :
كنت اشوفك في خيالي في حروفي و القصيد
رغم بعدك عن عيوني بيننا حاجز و سد
(( كنت اشوفك )) يا الله , بمجرد غيابها انطوت صفحة في قلبه المستعار و هي طوال ثمانية اعوام لم يفارقها حبه و لو لحظة , (( رغم بعدك عن عيوني )) فليركز القارئ معي هنا و أعلم الشاعر خانه التعبير إلا أنه كان صادقا و باح بكل شفافية دون ان يعلم فقد قال (( رغم بعدك )) ثم أردف (( بيننا حاجز و سد )) ألم يكن أجدر به أن يقول في البداية (( رغم قربك من فؤادي أو عيوني )) و أعتقد أن هذا ما قصده لكنه كما قلت عبر بشفافية لم يدركها بنفسه .. نعم كان البعد بالنسبة له حاجز و سد لأنه لم يكن يحبها و لو سألنا عاشقا حقيقيا لقال لنا بأنه لا شيء يحول بيني و بين من أحب و لو كان بلادا و وهادا فلا حاجز و لا سد :
رغم بعدك و ابتعادك كنت احس اني سعيد
كنت اراضي فيك قلبي كنت اخف عنه و اشد
كن حبي و المشاعر و الأماني كالعبيد
ترتمي باحضان قلبي لين ما ذاب الوعد
((كنت احس اني سعيد )) نعم كان يشعر بالسعادة رغم بعدها و كيف لا و هو الذي علق فؤادها بوهمٍ و كان نشوانا بلهاثها ورائه ((كنت اراضي فيك قلبي )) و كان يراضي قلبه أيضا بها ريثما يجد أخرى يعبث بروحها , (( كن حبي و المشاعر و الأماني كالعبيد )) صورة أكثر من رائعة و لكن هل كان الحب و المشاعر و الأماني عبيدا يوما و هل لأحد الحق في استعبادها !! صورة تدل على نظرة سادية للحب لا تليق به (( لين ما ذاب الوعد )) و كيف لا يذوب و الحب و المشاعر أحرارا من قيود العبودية :
يا وعد الوقت عدى و صرت انا و انتي نعيد
عهد مدري كيف عدى المهم نفس العهد
(( يا وعد الوقت عدى )) تبلد صارخ و قلة إحساس فالوقت ربما مر بالنسبة له و انتهى و لكن لم ينته و يمر بالنسبة لها , (( و صرت انا و انتي نعيد عهد مدري كيف عدى )) و يصرح بملله من إعادة العهد و الوعد و كأني بالعاشقة تقول (( لا تحرق النار إلا رجل واطيها )) و يؤكد (( المهم نفس العهد )) و أقول أنه لم يكن نفس العهد على الأقل بالنسبة لها :
تذكري وش كنت اسوي لا انتهى عندي الرصيد
كنت اشوف الليل سمسم – مظلم و ارجع لعينك و ارد
أرتمي باحضان همسك و ابتدي لك من جديد
من كثر ما كنت اسولف كنت احس اني أسد
كأني به يهذي كالسكران لا يدري ما يقول و كأنه يمن عليها سماع صوته حينما ينتهي رصيد المحمول و يعيد شحنه ببطاقات (( سمسم )) و هي شركة اتصالات بحرينية , (( أرتمي باحضان همسك )) و لم لا يرتمي بأحضان تلك الهمسات الناعمة و لماذا لا يرتمي و هي همسات الروح و القلب (( من كثر ما كنت اسولف كنت احس اني أسد )) و يشعر أنه أسد عندما يتحدث معها لأنها لم تكن أنثاه بل فريسته و تأتي الخاتمة كالصاعقة :
يا وعد شكلك تغير بعد هالعمر المديد
تدري اني من تركتك صار لي بنت و ولد
ختام مؤلم فعلا و يؤكد على هذيانه (( يا وعد شكلك تغير )) ربما تغير شكلها و يجده عذرا لعدم التعرف عليها و تذكرها و لكن ألم يسأل نفسه (( بعد هالعمر المديد )) أن هذا العمر المديد كما مر عليها و غير شكلها مر عليه و غير شكله أيضا و مع ذلك عرفته لأن قلبها دلها عليه و لم يعرفها لأنه لم يعشقها في حياته بل كانت مجرد لعبة يلهو بها أو مجرد واحدة من ملايين مثل عليها دور العاشق الولهان للأسف , وفي الختام أترك للقارئ الحكم و أشكر الشاعر على نقله القصة بهذه القصيدة الرائعة .
هيثم بن محيسن اللحياني
ما وعيت الا برهبة كن نبضاتي تزيد=كنت اطالعها و خايف كنت اقرب و ابتعد
قمت افكر و آتذكر قمت اردد قمت اعيد=زاد خوفي و ارتباكي خوفي لا يدري أحد
إلا هي قامت تنادي .. إنت فيصل : قلت اكيد=و انتي منهو ؟! جاوبت .. من دار ابو فيصل فهد
عانقتني و احضنتني و امسكت إيدٍ بإيد=ما عرفتك علميني .. ردت و قالت : بعد!!!!
طالع بعيني وشوف في عيوني شي فريد=وين حبك وين وعدك إن حبي للأبد
يا خسارة إيش صاير ليه كذا صاير بليد=وين يا حبي السوالف و المحبة و العهد
لحظة لحظة اسمعيني مو أخوك اسمه وليد=لا يا حظي لا ياقلبي آنا اخوي اسمه سعد
قمت اخربط في كلامي .. صار في قلبي وقيد=قمت اعدد .. انتي سارة .. و الا نورة .. أو شهد
يا خسارة كنت اظن اسمي مدون بالوريد =ما حسبت احساس قلبك يسكنه هذا العدد
ليه تخدعني بحبك و انت لي كنت الوحيد=كنت اسافر في عيونك ما يرافقني أحد
كان يعجبني عنادك و كنت اسميك العنيد=كنت احب اروع صفاتك يوم تعلنها أبد
كنت تاخذ من فؤادي و كنت اجيلك بالمزيد=كنت تسبقني لقلبي يوم تصرخ يا (( وعد ))
كنت اصارع فيك حبي و انت حبك ما يحيد =كنت اشوف الكون كله في عيونك لي بلد
كنت تاخذ من شعوري كل ما تبغا و تريد=كنت مدري تحتويني .. كنت اظنك لي سند
كنت غير الناس عندي كنت لي شيخٍ و سيد=اذكر اني كنت اسولف في غيابك حق سعد
و اشتكي من طول بعدك و انت فيني مو بعيد=ليتني ما قلت احبك و ليت قلبي ما انولد
يا كثر ما كنت احبك شوفتك لي يوم عيد=يا كثر ما صرت أكره نبض قلبي للأبد
اسمعيني لو سمحتي و اسمعي الراي السديد=من ثمان سنين كنتي في حياتي يا وعد
أذكر اني كنت احبك و اذكر اني كنت اشيد=في محبة مذكر اني عاشها غيري أحد
ما اختلفنا بس عودي لازمن أمس البعيد=فيه كان الناس تخشى في العشق جزرٍ و مد
كنت اشوفك في خيالي في حروفي و القصيد=رغم بعدك عن عيوني بيننا حاجز و سد
رغم بعدك و ابتعادك كنت احس اني سعيد=كنت اراضي فيك قلبي كنت اخف عنه و اشد
كن حبي و المشاعر و الأماني كالعبيد=ترتمي باحضان قلبي لين ما ذاب الوعد
يا وعد الوقت عدى و صرت انا و انتي نعيد =عهد مدري كيف عدى المهم نفس العهد
تذكري وش كنت اسوي لا انتهى عندي الرصيد=كنت اشوف الليل سمسم – مظلم و ارجع لعينك و ارد
أرتمي باحضان همسك و ابتدي لك من جديد=من كثر ما كنت اسولف كنت احس اني أسد
يا وعد شكلك تغير بعد هالعمر المديد=تدري اني من تركتك صار لي بنت و ولد
الحب القديم من الخائن !!؟؟
قراءة في قصيدة الشاعر فيصل المريسي (( الحب القديم ))
حين تتساقط الأقنعة و تزيح السنين عن وجه الحقيقة الكالح الستار تنهار كل الأحلام على عتبات الإنكار و الخيانة و تتراصف الأوجاع عند أول لقاء مع الحلم على أرض الواقع , هكذا هي قصة الحب القديم كما تلاها الشاعر لنا بغض النظر عن واقعية القصة من عدمها إلا أنها ترسم لنا صورة أنصف فيها الشاعر قلبا من قلب , و ربما لم يدرك أن محاولاته المناورة و الاستدارة حول الحقيقة باءت بالفشل في اعترافات ضمنية أحيانا و صريحة في أحايين كثيرة بلا أدنى إدراك أو وعي منه و ربما كانت محاولة لإعلان توبة جاءت في غير مكانها و لا زمانها فالذنب أعظم من أن يغفره أي قلب , لتبدأ الحكاية و تعود الذكريات بصدفة كما يقول الشاعر و أقول إنه القدر المحتوم :
صدفة جتني طالعتني من بعيد اليا بعيد
من كثر ماهي تطالع كنت اطالعها و اصد
من أول حروف الحكاية تظهر شجاعة العاشقة و ثقتها من عينيها حين رأت حبيبها و تعرفت عليه منذ الوهلة الأولى و يقابلها على الطرف الآخر نظرات الجحود و الإنكار من قبل الحبيب لدرجة أن نظراته كان مترددة و تحاول الهروب في خطوة جبانة من قبل العاشق و يظهر ذلك في كلمة (( أصد )) حيث تشير إلى الهروب :
ما وعيت الا برهبة كن نبضاتي تزيد
كنت اطالعها و خايف كنت اقرب و ابتعد
((ما وعيت الا برهبة )) ينمو شعور الرهبة داخل الشاعر من هذه النقطة و يتزايد الخوف من نظرات تلك العاشقة و كما سيتضح لاحقا أنها نظرات ولهى فرحت برؤية حبيبها و ليست نظرات تهدده بأي شكل من الأشكال إلا أن تلك الرهبة و ذلك الخوف نبعا من شعور عميق بالذنب فهو يعرف أنه زير نساء و على يقين أنه عبث بمئات القلوب ما زاد الرهبة في فؤاده (( كنت اطالعها و خايف )) و تتسارع نبضاته (( نبضاتي تزيد )) و مع ذلك فهو على استعداد لمغامرة جديدة و عبث جديد و كان يريد الاقتراب من تلك الأنثى و لكن إحساسا ما يدفعه للابتعاد عنها (( كنت اقرب و ابتعد )) :
قمت افكر و آتذكر قمت اردد قمت اعيد
زاد خوفي و ارتباكي خوفي لا يدري أحد
بدأت مراجعة الذات و تقليب الأوراق و فتح باب الذكريات بلا فائدة ترجى (( قمت افكر و آتذكر قمت اردد قمت اعيد )) فلا هو تذكر اسمها و لا رسمها ما زاد من حالة خوفه و ارتباكه (( زاد خوفي و ارتباكي )) ليظهر خوف من نوع قديم متجدد (( خوفي لا يدري أحد )) هو معرفة الناس بقصته معها مع أنه هو الرجل الذي يفترض به أن يكون شجاعا و مع ذلك يؤكد لنا هنا شجاعة تلك الأنثى العاشقة التي لا تأبه لنظرات الناس و لا تحسب لوجودهم حسابا لأنها تعشق بصدق و وفاء :
إلا هي قامت تنادي .. إنت فيصل : قلت اكيد
و انتي منهو ؟! جاوبت .. من دار ابو فيصل فهد
لم تكتفِ العاشقة برؤية معشوقها (( إلا هي قامت تنادي )) حالما أكد قلبها ما رأت عينيها بادرت إلى مناداته باسمه الذي لم يفارق وريدها (( انت فيصل )) و لم ينكر هو من جهته اسمه بل أكد لها بقوله (( قلت أكيد )) إذ لا مجال للكذب مع الخوف و الرهبة و الارتباك , ثم يسألها (( و انتي منهو )) فأجابته أنها من (( دار ابو فيصل فهد )) و هي السعودية و من يدقق هنا يكتشف بعدا آخر للحكاية فلم تكن تلك العاشقة من نفس بلد الشاعر و هي (( البحرين )) لتبدأ صورة الحب العظيم في التجلي شيئا فشيئا لو زدنا إلى بعد المسافة بينهما بعد السنين , و مع ذلك فلم تنكر عليه هذا السؤال لأنها لم تعتقد أنه جاد في سؤاله إلا لاحقا :
عانقتني و احضنتني و امسكت إيدٍ بإيد
ما عرفتك علميني .. ردت و قالت : بعد!!!!
تقبل العاشقة على حبيبها بعدما تأكدت أنه هو بالعناق و الأحضان كما يفعل الأحبة في بحثهم عن الدفء مع بعضهم (( عانقتني و احضنتني )) في تأكيد آخر على شجاعة العاشقة التي لا تخاف من نظرات البشر و لا ما سيقولون عنها بعد رؤيتهم لها تضمه و تضم يده في يدها (( و امسكت إيدٍ بإيد )) لكن الفرحة لم تدم طويلا بعدما نزل عليها السؤال بكل جدية كالصاعقة (( انتي منهو !!؟؟ )) فما كان منها من هول الصدمة إلا أن ترد بعفوية (( بعد )) و هي صيغة استنكارية عامية تشير إلى عظم الدهشة و حجم الصدمة من السؤال إذْ لم يكن في الحسبان و لا على البال :
طالع بعيني وشوف في عيوني شي فريد
وين حبك وين وعدك إن حبي للأبد
((طالع بعيني وشوف )) تبدأ نداءات يائسة لقلبه عبر عينيه و تطلب منه النظر في عينيها لعل فؤاده يقرأه و يتذكر ((في عيوني شي فريد )) ذلك الشيء الفريد الذي أرادته أن يراه و يتذكره شيء ثمين فعلا هو الحب , و لكن بلا جدوى فحبيبها بألف قلب ليبدأ العتاب المؤلم بالسؤال عن الحب القديم (( وين حبك )) و الوعود التي وعدها إياها (( و ين وعدك )) بأن ذلك الحب سوف يستمر للأبد و انه لن ينساها (( إن حبي للأبد )) :
يا خسارة إيش صاير ليه كذا صاير بليد
وين يا حبي السوالف و المحبة و العهد
(( يا خسارة إيش صاير ليه كذا صاير بليد )) و يتفجر طوفان الألم في روحها و يتفطر فؤادها لتكتشف خسارتها بعشق من لم يكن لها أية مشاعر (( يا خسارة إيش صاير )) و تستنكر بلادة مشاعره (( ليه كذا صاير بليد )) , لتبدأ رحلة مناورات الحبيب و محاولة تدارك الموقف فيتأزم أكثر عندما يبدأ في الكشف عن صورته الحقيقية و ليته لم يفعل :
لحظة لحظة اسمعيني مو أخوك اسمه وليد
لا يا حظي لا ياقلبي آنا اخوي اسمه سعد
(( لحظة لحظة )) يتوسل الشاعر لتلك الأنثى العاشقة بلحظة و يكرر الطلب مرتين لعل الذاكرة تسعفه و يحاول الجري في متاهة ذاكرة الخيانات و تبدأ المناورة فهو لم يتذكر اسمها بعد و لكنه تذكر اسم أحد إخوة اللاتي عبث معهن (( مو أخوك اسمه وليد )) ليبدأ القناع في التمزق و سقوط وجه الكذب أمام الحقيقة فتتهكم به إذْ لم يعد هناك مجال للعتاب فلا حب هناك و لا وفاء (( لا يا حظي .. لا يا قلبي .. آنا اخوي اسمه سعد )) لم يكن اسم أخيها وليد بل (( سعد )) فماذا عساه أن يفعل بعد لينقذ ما تبقى من ماء وجهه أمامها سوى باعترافات صريحة أتت رغما عنه بعدما أصبح شبه سكران مترنح لا يعي ما يقول أمام تلك العاشقة الوفية :
قمت اخربط في كلامي .. صار في قلبي وقيد
قمت اعدد .. انتي سارة .. و الا نورة .. أو شهد
يا خسارة كنت اظن اسمي مدون بالوريد
ما حسبت احساس قلبك يسكنه هذا العدد
ليه تخدعني بحبك و انت لي كنت الوحيد
كنت اسافر في عيونك ما يرافقني أحد
كان يعجبني عنادك و كنت اسميك العنيد
كنت احب اروع صفاتك يوم تعلنها أبد
كنت تاخذ من فؤادي و كنت اجيلك بالمزيد
كنت تسبقني لقلبي يوم تصرخ يا (( وعد ))
((قمت اخربط في كلامي .. صار في قلبي وقيد )) يبدأ الحب العظيم في التمزق و تخبو ناره شيئا فشيئا ليتحول إلى رماد تذروه الرياح بعدما اعترافه بعشقه الكاذب لها كما كان مع (( سارة و نورة و شهد )) و غيرهن الكثير و يعظم حجم الخسارة مرة أخرى و صوت الألم (( يا خسارة )) فقد كانت تظنه وفيا مثلها (( كنت اظن اسمي مدون بالوريد )) و قلبه لا يسكنه سواها إلا أنها كانت مخطئة فلم يكن قلبه كقلبها يحب بصدق (( ما حسبت حساب قلبك يسكنه هذا العدد )) و تعود للسؤال عن أسباب الخيانة لا لتبحث عن إجابة فقد باتت تعرفها و لكنه سؤال دهشة و صدمة (( ليه تخدعني بحبك )) فهي لم تخنه مع غيره (( و انت لي كنت الوحيد )) كان لها درب و سفر لا يشاركها أحد فيه ((كنت اسافر في عيونك ما يرافقني أحد )) و تسرد الذكريات الحلوة المرة في آن معاً (( كان يعجبني عنادك و كنت اسميك العنيد )) لقد عشقته بكل صفاته الجميلة و البغيضة حتى لو أعلن أن هذه الصفات ستستمر معه للأبد ((كنت احب اروع صفاتك يوم تعلنها أبد )) فهي لم تره إلا زهرة نبتت في روحها و نثرت عطرها في أرجاء الشرايين و الأوردة و كم كان حجم العطاء من قلبها و لم يكن للبخل فيه مكانا فعلى قدر الأخذ جاء العطاء أكثر (( كنت تاخذ من فؤادي و كنت اجيلك بالمزيد )) أي جنون هذا (( كنت تسبقني لقلبي )) يا إلهي أي عشقٍ هذا .. قلبها و هو قلبها الذي تملكه و يسكن خلف ضلوعها كان يسبقها إليه متى !! عندما كان يناديها (( يا وعد )) ذلك هو اسم العاشقة الذي لم يتذكر و لو حرفا منه :
كنت اصارع فيك حبي و انت حبك ما يحيد
كنت اشوف الكون كله في عيونك لي بلد
كنت تاخذ من شعوري كل ما تبغا و تريد
كنت مدري تحتويني .. كنت اظنك لي سند
كنت غير الناس عندي كنت لي شيخٍ و سيد
اذكر اني كنت اسولف في غيابك حق سعد
و اشتكي من طول بعدك و انت فيني مو بعيد
ليتني ما قلت احبك و ليت قلبي ما انولد
يا كثر ما كنت احبك شوفتك لي يوم عيد
يا كثر ما صرت أكره نبض قلبي للأبد
من يقرأ هذه الأبيات الخمس يلحظ تكرار صيغة الماضي (( كنت )) ثمانية مرات و ذلك لسبب وجيه هو صوت الحسرة على الماضي و تصديق الكذبة و الصراع مع الذات في هذا الحب (( كنت اصارع فيك حبي )) ظنا منها بأنه لن يتنازل عن هذا الحب (( و انت حبك ما يحيد )) و كان عشقه يغنيها عن الكون و الأوطان (( كنت اشوف الكون كله في عيونك لي بلد )) كان يأخذ و لا يعطي (( كنت تاخذ من شعوري )) و ليس ذلك فقط بل كما يشتهي (( كل ما تبغا و تريد )) , و يظهر صيغة التشكيك لا للتشكيك بل للتأكيد على الندم (( كنت مدري تحتويني )) هل كان فعلا يحتويها (( كنت اظنك لي سند )) صوت آهٍ يتجلى في تخليه عن حبها فلم يكن سندا و عونا لها كما ظنت (( كنت غير الناس عندي )) (( كنت لي شيخٍ و سيد )) صورٌ تعلن عن انهيارٍ حلمٍ لم يكن إلا وهما و يرتفع صوت الندم (( ليتني ما قلت احبك )) تمنت ألأ تقع في غرامه أو بالأصح شراكه (( ليت قلبي ما انولد )) صورة تعطي انطباعا قويا عن ألم تلك العاشقة فمن ذا يتمنى ألا يولد قلبه (( يا كثر ما كنت احبك )) و ينتهي الحب (( و شوفتك لي يوم عيد )) و تنتهي الأعياد بصرخة كره أبدي للذات لا كرهه هو في تأكيد على نقاء سريرتها (( يا كثر ما صرت أكره نبض قلبي للأبد )) :
اسمعيني لو سمحتي و اسمعي الراي السديد
من ثمان سنين كنتي في حياتي يا وعد
أذكر اني كنت احبك و اذكر اني كنت اشيد
في محبة مذكر اني عاشها غيري أحد
ما اختلفنا بس عودي لازمن أمس البعيد
فيه كان الناس تخشى في العشق جزرٍ و مد
محاولة جديدة للمناورة من الشاعر بنداء يشوبه الخداع (( اسمعيني لو سمحتي )) و يظن أنه رأي سديد و هو الغي بعينه (( و اسمعي الراي السديد )) , و القارئ الذكي سوف يوقن بخداعه و زيف مشاعره إذ قال (( من ثمان سنين كنتي في حياتي )) أليست هي نفس السنين و نفس المسافة التي كانت بينه و بينها و لم يمنعها من الاستمرار بحبه و الاحتفاظ به طوال هذه المدة , و يكشف عن زيفه مرة جديدة (( أذكر اني كنت احبك )) أيّ حبٍّ هذا الذي يقبل التذكر و النسيان و هل الحب الصادق يتطلب قرب الحبيب فإن ابتعد نسيناه و هذا ما يؤكد زيف حبه لها و بكل جرأة يحاول مواساة قلبها بكذبة أخرى ((في محبة مذكر اني عاشها غيري أحد )) يا لهذه الجرأة و الثقة و يستمر ((ما اختلفنا )) و هل العشق اتفاقية لنختلف عليها أم أنه ثابت لا يقبل القسمة ((عودي لازمن أمس البعيد )) عذرٌ أقبح من ذنبٍ بمطالبةٍ للعودة للماضي البعيد بحجة أن الناس تخاف في العشق ((فيه كان الناس تخشى في العشق جزرٍ و مد )) و مازال الناس يخافون الجزر و المد في العشق إلى اليوم و الغد و لم و لن يختلف أي شيء من ذلك و لكنهم يبقون على عهد الحب و الوفاء مهما مرت السنون فأي عذرٍ هذا :
كنت اشوفك في خيالي في حروفي و القصيد
رغم بعدك عن عيوني بيننا حاجز و سد
(( كنت اشوفك )) يا الله , بمجرد غيابها انطوت صفحة في قلبه المستعار و هي طوال ثمانية اعوام لم يفارقها حبه و لو لحظة , (( رغم بعدك عن عيوني )) فليركز القارئ معي هنا و أعلم الشاعر خانه التعبير إلا أنه كان صادقا و باح بكل شفافية دون ان يعلم فقد قال (( رغم بعدك )) ثم أردف (( بيننا حاجز و سد )) ألم يكن أجدر به أن يقول في البداية (( رغم قربك من فؤادي أو عيوني )) و أعتقد أن هذا ما قصده لكنه كما قلت عبر بشفافية لم يدركها بنفسه .. نعم كان البعد بالنسبة له حاجز و سد لأنه لم يكن يحبها و لو سألنا عاشقا حقيقيا لقال لنا بأنه لا شيء يحول بيني و بين من أحب و لو كان بلادا و وهادا فلا حاجز و لا سد :
رغم بعدك و ابتعادك كنت احس اني سعيد
كنت اراضي فيك قلبي كنت اخف عنه و اشد
كن حبي و المشاعر و الأماني كالعبيد
ترتمي باحضان قلبي لين ما ذاب الوعد
((كنت احس اني سعيد )) نعم كان يشعر بالسعادة رغم بعدها و كيف لا و هو الذي علق فؤادها بوهمٍ و كان نشوانا بلهاثها ورائه ((كنت اراضي فيك قلبي )) و كان يراضي قلبه أيضا بها ريثما يجد أخرى يعبث بروحها , (( كن حبي و المشاعر و الأماني كالعبيد )) صورة أكثر من رائعة و لكن هل كان الحب و المشاعر و الأماني عبيدا يوما و هل لأحد الحق في استعبادها !! صورة تدل على نظرة سادية للحب لا تليق به (( لين ما ذاب الوعد )) و كيف لا يذوب و الحب و المشاعر أحرارا من قيود العبودية :
يا وعد الوقت عدى و صرت انا و انتي نعيد
عهد مدري كيف عدى المهم نفس العهد
(( يا وعد الوقت عدى )) تبلد صارخ و قلة إحساس فالوقت ربما مر بالنسبة له و انتهى و لكن لم ينته و يمر بالنسبة لها , (( و صرت انا و انتي نعيد عهد مدري كيف عدى )) و يصرح بملله من إعادة العهد و الوعد و كأني بالعاشقة تقول (( لا تحرق النار إلا رجل واطيها )) و يؤكد (( المهم نفس العهد )) و أقول أنه لم يكن نفس العهد على الأقل بالنسبة لها :
تذكري وش كنت اسوي لا انتهى عندي الرصيد
كنت اشوف الليل سمسم – مظلم و ارجع لعينك و ارد
أرتمي باحضان همسك و ابتدي لك من جديد
من كثر ما كنت اسولف كنت احس اني أسد
كأني به يهذي كالسكران لا يدري ما يقول و كأنه يمن عليها سماع صوته حينما ينتهي رصيد المحمول و يعيد شحنه ببطاقات (( سمسم )) و هي شركة اتصالات بحرينية , (( أرتمي باحضان همسك )) و لم لا يرتمي بأحضان تلك الهمسات الناعمة و لماذا لا يرتمي و هي همسات الروح و القلب (( من كثر ما كنت اسولف كنت احس اني أسد )) و يشعر أنه أسد عندما يتحدث معها لأنها لم تكن أنثاه بل فريسته و تأتي الخاتمة كالصاعقة :
يا وعد شكلك تغير بعد هالعمر المديد
تدري اني من تركتك صار لي بنت و ولد
ختام مؤلم فعلا و يؤكد على هذيانه (( يا وعد شكلك تغير )) ربما تغير شكلها و يجده عذرا لعدم التعرف عليها و تذكرها و لكن ألم يسأل نفسه (( بعد هالعمر المديد )) أن هذا العمر المديد كما مر عليها و غير شكلها مر عليه و غير شكله أيضا و مع ذلك عرفته لأن قلبها دلها عليه و لم يعرفها لأنه لم يعشقها في حياته بل كانت مجرد لعبة يلهو بها أو مجرد واحدة من ملايين مثل عليها دور العاشق الولهان للأسف , وفي الختام أترك للقارئ الحكم و أشكر الشاعر على نقله القصة بهذه القصيدة الرائعة .
هيثم بن محيسن اللحياني